عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
46
اللباب في علوم الكتاب
وقد يتعدّى بنفسه ؛ كقوله : [ الوافر ] 461 - وجدنا نهشلا فضلت فقيما * كفضل ابن المخاض على الفصيل « 1 » فعدّاه بنفسه ، وب « عن » ، وفعله « فضل » بالفتح - « يفضل » - بالضم - ك : « قتل - يقتل » . وأما الذي معناه « الفضلة » من الشيء ، وهي : البقيّة ففعله أيضا كما تقدم . ويقال فيه أيضا : « فضل » بالكسر « يفضل » بالفتح ك : « علم - يعلم » ، ومنهم من يكسرها في الماضي ، ويضمّها في المضارع ، وهو من التّداخل بين اللغتين . فإن قيل : قوله : « أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ » يلزم منه أن يكونوا أفضل من محمد - عليه الصلاة والسلام - وذلك باطل . والجواب من وجوه : أحدها : قال قوم : العالم عبارة عن الجمع الكثير من النّاس كقولك : رأيت عالما من النّاس ، والمراد منه الكثرة ، [ وهذا ] « 2 » ضعيف ؛ لأن لفظ العالم مشتقّ من العلم وهو الدليل ، فكل ما كان دليلا على اللّه - تعالى - فإنه عالم ، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كلّ موجود سوى اللّه . وثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم ، فإن الشّخص الذي لم يوجد بعد ليس من جملة العالمين ، ومحمد - عليه الصلاة والسلام - ما كان موجودا في ذلك الوقت ، فما كان ذلك الوقت من العالمين ، فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد ، وهذا هو الجواب أيضا عن قوله تعالى : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 20 ] ، وقال : وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ [ الدخان : 32 ] ، أراد به عالمي ذلك الزمان . وثالثها : قوله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ عام في العالمين ، لكنه مطلق في الفضل ، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة ، فالآية تدلّ على أن بني إسرائيل فضّلوا على كل العالمين في أمر ما ، وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كلّ العالمين في كل الأمور ، بل لعلهم ، وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد ، فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر ، وعند ذلك يظهر أنه لا يصحّ الاستدلال بقوله تعالى : * إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [ آل عمران : 33 ] على أن الأنبياء أفضل من الملائكة .
--> ( 1 ) البيت للفرزدق ينظر ديوانه 2 / 96 ، وشرح أبيات سيبويه : 1 / 513 ، والكتاب : 2 / 98 ، وله أو لجرير في لسان العرب [ مخض ] ، شرح المفصل : 1 / 35 ، والمقتضب : 4 / 46 ، وابن يعيش : 1 / 35 ، والدر المصون : 1 / 214 . ( 2 ) سقط في ب .